فصل: قال الماوردي:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.الإسرائيليات والموضوعات في تفسير الآية:

قال الدكتور محمد أبو شهبة:
الإسرائيليات في قصة بلقيس ملكة سبأ:
ومن الإسرائيليات ما ذكره بعض المفسرين عند تفسير قوله تعالى: {قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [النمل: الآية 44].
فقد ذكر ابن جرير، والثعلبي والبغوي، والخازن، وغيرهم: أن سليمان أراد أن يتزوجها، فقيل له: إن رجليها كحافر الحمار، وهي شَعْرَاء الساقين، فأمرهم، فبنوا له هذا القصر على هذه الصفة، فلما رأته حسبته لجة، وكشفت عن ساقيها لتخوضه، فنظر سليمان فإذا هي أحسن الناس قدما وساقا، إلا أنها كانت شعراء الساقين، فكره ذلك، فسأل الإنس ما يذهب هذا؟ قالوا: الموسي، فقالت بلقيس: لم تمسني حديدة قط، وكره سليمان ذلك، خشية ان تقطع ساقيها، فسأل الجن: فقالوا: لا ندري، ثم سأل الشياطين؟ فقالوا: إنا نحتال لك حتى تكون كالفضة البيضاء، فاتخذوا لها النورة 2 والحمام، فكانت النورة والحمام من يومئذ.
وقد روي هذا عن ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد، وعكرمة، ومحمد بن كعب القرظي، والسدي، وابن جريج وغيرهم.
وروي أيضا: أنها سألت سيدنا سليمان عن أمرين قالت له: أريد ماء ليس من أرض ولا من سماء!! فسأل سليمان الإنس، ثم الجن، ثم الشياطين، فقالت الشياطين: هذا هين، أجر الخيل، ثم خذ عرقها، ثم املأ منه الآنية، فأمر بالخيل فأجريت، ثم أخذ العرق فملأ من الآنية!!
وسألته عن لون الله عز وجل فوثب سليمان عن سريره، وفزع من السؤال، وقال: لقد سألتني- يا رب- عن أمر، إنه ليتعاظم في قلبي أن أذكره لك، ولكن الله أنساه، وأنساهم ما سألته عنه.
وأن الشياطين خافوا لو تزوجها سليمان، وجاءت بولد، أن يبقوا في عبوديته، فصنعوا له هذا الصرح الممرد، فظنَّته ماء، فكشفت عن ساقيها لتعبره، فإذا هي شعراء، فاستشارهم سليمان: ما يذهبه؟. فجعلت له الشياطين النورة.
قال العلامة ابن كثير في تفسيره بعد أن ذكر بعض المرويات: والأقرب في مثل هذه السياقات: أنها متلقاة عن أهل الكتاب، مما وجد في صحفهم، كرواية كعب، ووهب، سامحهما الله فيما نقلاه إلى هذه الأمة من أخبار بني إسرائيل من الأوابد، والغرائب والعجائب مما كان، وما لم يكن، ومما حرف، وبدل، ونسخ، وقد أغنانا الله عن ذلك ما هو أصح منه، وأنفع، وأوضح، وأبلغ، ولله الحمد والمنة.
التفسير الصحيح لبناء الصرح:
والحق: أن سليمان عليه الصلاة والسلام أراد ببنائه الصرح: أن يريها عظمة ملكه، وسلطانه، وأن الله سبحانه وتعالى أعطاه من الملك ومن أسباب العمران والحضارة ما لم يعطها، فضلًا عن النبوة التي هي فوق الملك، والتي دونها أية نعمة، وحاشا لسليمان عليه السلام وهو الذي سأل الله أن يعطيه حكما يوافق حكمه- أي: الله، فأوتيه أن يتحايل هذا التحايل، حتى ينظر إلى ما حرم الله عليه، وهما ساقاها، وهو أَجَلُّ من ذلك وأسمى.
ولولا أنها رأت من سليمان ما كان عليه من الدين المتين، والخلق الرفيع، لما أذعنت إليه لما دعاها إلى الله الواحد الحق، ولما ندمت على ما فرط منها من عبادة الكواكب والشمس، وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين. اهـ.

.من أقوال المفسرين:

.قال الفخر:

{قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ (41)}.
اعلم أن قوله: {نَكّرُواْ} معناه اجعلوا العرش منكرًا مغيرًا عن شكله كما يتنكر الرجل للناس لئلا يعرفوه، وذلك لأنه لو ترك على ما كان لعرفته لا محالة، وكان لا تدل معرفتها به على ثبات عقلها وإذا غير دلت معرفتها أو توقفها فيه على فضل عقل، ولا يمتنع صحة ما قيل إن سليمان عليه السلام ألقى إليه أن فيها نقصان عقل لكي لا يتزوجها أو لا تحظى عنده على وجه الحسد، فأراد بما ذكرنا اختبار عقلها.
أما قوله: {نَنظُرْ} فقرىء بالجزم على الجواب وبالرفع على الاستئناف، واختلفوا في {أَتَهْتَدِى} على وجهين: أحدهما: أتعرف أنه عرشها أم لا؟ كما قدمنا الثاني: أتعرف به نبوة سليمان أم لا ولذلك قال: {أَمْ تَكُونُ مِنَ الذين لاَ يَهْتَدُونَ} وذلك كالذم ولا يليق إلا بطريقة الدلالة، فكأنه عليه السلام أحب أن تنظر فتعرف به نبوته من حيث صار متنقلًا من المكان البعيد إلى هناك، وذلك يدل على قدرة الله تعالى وعلى صدق سليمان عليه السلام، ويعرف بذلك أيضًا فضل عقلها لأغراض كانت له، فعند ذلك سألها.
أما قوله: {أَهَكَذَا عَرْشُكِ} فاعلم أن هكذا ثلاث كلمات، حرف التنبيه وكاف التشبيه واسم الإشارة، ولم يقل أهذا عرشك، ولكن أمثل هذا عرشك لئلا يكون تلقينًا فقالت: {كَأَنَّهُ هُوَ} ولم تقل هو هو ولا ليس به وذلك من كمال عقلها حيث توقفت في محل التوقف.
أما قوله: {وَأُوتِينَا العلم مِن قَبْلِهَا} ففيه سؤالان، وهو أن هذا الكلام كلام من؟ وأيضًا فعلى أي شيء عطف هذا الكلام؟ وعنه جوابان: الأول: أنه كلام سليمان وقومه، وذلك لأن بلقيس لما سئلت عن عرشها، ثم إنها أجابت بقولها: {كَأَنَّهُ هُوَ} فالظاهر أن سليمان وقومه قالوا إنها قد أصابت في جوابها وهي عاقلة لبيبة وقد رزقت الإسلام، ثم عطفوا على ذلك قولهم وأوتينا نحن العلم بالله وبقدرته قبل علمها ويكون غرضهم من ذلك شكر الله تعالى في أن خصهم بمزية التقدم في الإسلام الثاني: أنه من كلام بلقيس موصولًا بقولها: {كَأَنَّهُ هُوَ} والمعنى: وأوتينا العلم بالله وبصحة نبوة سليمان قبل هذه المعجزة أو قبل هذه الحالة، ثم أن قوله: {وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعْبُدُ مِن دُونِ الله}. إلى آخر الآية يكون من كلام رب العزة.
أما قوله تعالى: {وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعْبُدُ مِن دُونِ الله} ففيه وجهان: الأول: المراد: وصدها عبادتها لغير الله عن الإيمان الثاني: وصدها الله أو سليمان عما كانت تعبد بتقدير حذف الجار وإيصال الفعل، وقرىء أنها بالفتح على أنه بدل من فاعل صد وبمعنى لأنها، واحتجت المعتزلة بهذه الآية فقالوا لو كان تعالى خلق الكفر فيها لم يكن الصاد لها كفرها المتقدم ولا كونها من جملة الكفار، بل كان يكون الصاد لها عن الإيمان تجدد خلق الله الكفر فيها والجواب: أما على التأويل الثاني فلا شك في سقوط الاستدلال، وأما على الأول فجوابنا أن كونها من جملة الكفار صار سببًا لحصول الداعية المستلزمة للكفر، وحينئذ يبقى ظاهر الآية موافقًا لقولنا، والله أعلم.
{قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا}.
اعلم أنه تعالى لما حكى إقامتها على الكفر مع كل ما تقدم من الدلائل ذكر أن سليمان عليه السلام أظهر من الأمر ما صار داعيًا لها إلى الإسلام وهو قوله: {قِيلَ لَهَا ادخلى الصرح} والصرح القصر كقوله: {يا هامان ابن لِى صَرْحًا} [غافر: 36] وقيل صحن الدار، وقرأ ابن كثير عن {سَأقَيْهَا} بالهمز ووجهه أنه سمع سؤقًا فأجرى عليه الواحد، والممرد المملس، روي أن سليمان عليه السلام أمر قبل قدومها فبنى له على طريقها قصر من زجاج أبيض كالماء بياضًا، ثم أرسل الماء تحته وألقى فيه السمك وغيره ووضع سريره في صدره فجلس عليه وعكف عليه الإنس والجن والطير، وإنما فعل ذلك ليزيدها استعظامًا لأمره وتحققًا لنبوته، وزعموا أن الجن كرهوا أن يتزوجها فتفضي إليه بأسرارهم لأنها كانت بنت جنية، وقيل خافوا أن يولد له منها ولد فيجتمع له فطنة الجن والإنس فيخرجون من ملك سليمان إلى ملك هو أشد، فقالوا إن في عقلها نقصانًا وإنها شعراء الساقين ورجلها كحافر حمار فاختبر سليمان عقلها بتنكير العرش، واتخذ الصرح ليتعرف ساقها، ومعلوم من حال الزجاج الصافي أنه يكون كالماء فلما أبصرت ذلك ظنته ماءًا راكدًا فكشفت عن ساقيها لتخوضه، فإذا هي أحسن الناس ساقًا وقدمًا، وهذا على طريقة من يقول تزوجها (1)، وقال آخرون كان المقصود من الصرح تهويل المجلس وتعظيمه، وحصل كشف الساق على سبيل التبع، فلما قيل لها هو صرح ممرد من قوارير استترت، وعجبت من ذلك واستدلت به على التوحيد والنبوة، فقالت: {رَبّ إِنّى ظَلَمْتُ نَفْسِى} فيما تقدم بالثبات على الكفر ثم قالت: {وَأَسْلَمْتُ مَعَ سليمان لِلَّهِ رَبّ العالمين} وقيل حسبت أن سليمان عليه السلام يغرقها في اللجة، فقالت ظلمت نفسي بسوء ظني سليمان، واختلفوا في أنه هل تزوجها أم لا، وأنه تزوجها في هذه الحال أو قبل أن كشفت عن ساقيها، والأظهر في كلام الناس أنه تزوجها، وليس لذلك ذكر في الكتاب، ولا في خبر مقطوع بصحته، ويروى عن ابن عباس أنها لما أسلمت قال لها اختاري من قومك من أزوجك منه فقالت مثلي لا ينكح الرجال مع سلطاني، فقال النكاح من الإسلام، فقالت إن كان كذلك فزوجني ذا تبع ملك همدان فزوجها إياه ثم ردهما إلى اليمن، ولم يزل بها ملكًا، والله أعلم. اهـ.

.قال الماوردي:

قوله: {قَالَ نَكَرُواْ لَهَا عَرْشَهَا} أي غيروه وفي تغييره خمسة أوجه:
أحدها: أنه نزع ما عليه من فصوصه، ومرافقه وجواهره، قاله ابن عباس.
الثاني: أنه غيّر ما كان أحمر فجعله أخضر وما كان أخضر جعله أحمر، قاله مجاهد.
الثالث: غيّر بأن زيد فيه ونقص منه، قاله عكرمة.
الرابع: حوّل أعلاه أسفله ومقدمه مؤخره، قاله شيبان بن عبد الرحمن.
الخامس: غيّره بأن جعل فيه تمثال السمك، قاله أبو صالح.
{نَنْظُرُ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لاَ يَهْتَدُونَ} فيه وجهان:
أحدهما: أتهتدي إلى الحق بعقلها أم تكون من الذين لا يعقلون، وهذا معنى قول ابن رومان.
الثاني: إلى معرفة العرش بفطنتها أم تكون من الذين لا يعرفون، وهذا معنى قول ابن جبير، ومجاهد.
{فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ} فلم تثبته ولم تنكره واختلف في سبب قولها ذلك، على ثلاثة أقاويل:
أحدها: لأنها خلفته وراءها فوجدته أمامها فكان معرفتها له تمنع من إنكاره وتركها له وراءها يمنع إثباته، وهذا معنى قول قتادة.
الثاني: لأنها وجدت فيه ما تعرفه فلذلك لم تنكره ووجدت فيه ما بُدِّل وغير فلذلك لم تثبته، قاله السدي.
الثالث: شبهوا عليها حين قالوا: أهكذا عرشك؟ فشبهت عليهم فقالت: كأنه هو ولو قالوا لها: هذا عرشك لقالت: نعم، قاله مقاتل.
{وَأُوَتِينَا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهَا} وهذا قول من سليمان وقيل هو من كلام قومه، وفي تأويله ثلاثة أقاويل:
أحدها: معرفة الله وتوحيده، قاله زهير.
الثاني: النبوة، قاله يحيى بن سلام.
الثالث: أي علمنا أن العرش عرشها قبل أن نسألها، قاله ابن شجرة.
{وَكُنَّا مُسْلِمِينَ} فيه وجهان:
أحدهما: طائعين لله بالاستسلام له.
الثاني: مخلصين لله بالتوحيد.
قوله تعالى: {وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَّعْبُدُ مِن دُونِ اللَّهِ} فيه أربعة أوجه:
أحدها: وصدها عبادة الشمس أن تعبد الله.
الثاني: وصدّها كفرها بقضاء الله أن تهتدي للحق.
الثالث: وصدّها سليمان عما كانت تعبد في كفرها.
الرابع: وصدها الله تعالى إليه بتوفيقها بالإيمان عن الكفر.
قوله: {قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ} فيه ثلاثة أقاويل:
أحدها: أنها بركة بنيت قوارير، قاله مجاهد.
الثاني: أنها صحن الدار، حكاه ابن عيسى يقال صرحة الدار وساحة الدار وباحة الدار وقاعة الدار كله بمعنى واحد. قال زهير مأخوذ من التصريح ومنه صرح بالأمر إذا أظهره.